خـدعـوك فـقـالـوا ..... قـانـون فـرَنـسـى
الــحــلــقــة الأولـــى
بقلم الأستاذ/ مدحت إبراهيم سليمان
الـبـدايـة:
عندما دخلت كلية الحقوق، كنت أقرأ كثيراً عن القانون الفرنسى،
والمقارنة الدائمة بينه وبين القانون المصرى، وكنت أسمع من بعض
الأساتذة أن قانوننا - المدنى خاصةً - جاء نقلاً عن القانون الفرنسى.
وأيضاً عندما بدأت أمارس مهنة المحاماة، كنت أسمع كثيراً مقولة أن
قانوننا المدنى جاءت نصوصه إقتباساً من القانون المدنى الفرنسى، وكان
يأتى ذلك على ألسنة بعض المحامين والقضاه، بل وبعض فقهاء القانون؛
وبالطبع، إنتقلت هذه المعلومة من داخل الحقل القانونى إلى العامة من
الناس، لتصبح المقولة الأساسية أن قانوننا المصرى هو فى الأصل قانون
فرنسى.
وهنا توقفت قليلاً، متسائلاً، هل صحيح أن القانون المدنى المصرى جاء
نقلاً عن نظيره الفرنسى، وإذا كان ذلك؛ فمن هو هذا العلامة الكبير الذى
أحترمه وأكن لهُ كل تقدير الدكتور/ عبد الرازق أحمد السنهورى، الذى
لُقبَ بأبو المدنى بعد وضعه القانون المدنى المصرى، فإتهام القانون
المدنى بأنه أصلاً فرنسى وأنه جاء نقلاً عنه يهد كل القيم والإعتبارات
القانونية والفكر الذى تربينا عليه، بل وأكثر من ذلك، يجعل من الدكتور
السنهورى - رحِمهُ الله - مُجرد مُترجم من اللغة الفرنسية إلى اللغة
العربية، فيجعل منه مجرد شخص يجيد اللغة الفرنسية، وفى ذلك الوقت، كان
الكثير من رجال القانون يتحدثون الفرنسية بطلاقة.
وإذا فرضنا جدلاً؛ أنه قام بنقل القانون المدنى الفرنسى - أو المعروف
بقانون نابليون وقتها - إلى القانون المدنى المصرى، فماذا عن القانون
المدنى العراقى، والقانون المدنى السورى، والقانون المدنى الليبى،
وماذا عن دستور دولة الكويت، ودستور السودان، ودستور الإمارات العربية،
هل يمكن أن يكون كل ذلك من نتاج شخصٍ عادى، فهو الذى وضع كل هذه
القوانين والدساتير وغيرهم، فالدكتور السنهورى - رحِمهُ الله - لم يكن
شخصاً عادياً، بل كان مُفكراً قبل أن يكون أحد أعظم فُقهاء القانون
المصرى على الإطلاق، فهو شخص سيظل يذكره التاريخ إلى الأبد، وأكاد أجزم
بأن مشروع القانون المدنى المصرى لو أُعطىَ لشخصٍ آخر غيره لم يكن
ليخرج لنا القانون بهذه البراعة.
الــبـــحـــث:
وحتى لايكون ما أريد أن أقوله مُجرد كلاماً مُرسلاً، ليس له معنى، بدأت
فى البحث حول الدكتور السنهورى، والقانون المدنى، وأول ما وجدت؛ الكلمة
الإفتتاحية لموسوعة الوسيط فى شرح القانون المدنى للدكتور السنهورى -
رحِمهُ الله - والتى وضعت فى إبريل عام ١٩٥٢، وقد جاء فيها على لسان
الدكتور السنهورى - الآتى:
جعل الدكتور السنهورى - فى موسوعته - الفقه والقضاء اللفرنسيين هما، من
بين سائر النظم القانونية الأجنبية، النظام الأجنبى الذى رجع إليه ..
فيقول:" على أن القضاء الفرنسى لم أشر إليه إلا حيث أتابع التطور
التاريخى لبعض المبادىء القانونية، وإلا حيث أستكمل به الفقه المصرى،
وقد تعمدت أن يكون قضاؤنا المصرى هو الأصل الذى يرجع إليه، فيكون هو
القضاء البارز فى جميع نواحى الكتاب، لايغنى عنه القضاء الفرنسى، بل لا
يقف إلى جانبه إلا حيثُ تقوم الحاجة، لم أفعل ذلك زرايةً بالقضاء
الفرنسى أو غضاً من شأنه، فهو القضاء الذى نزلنا ضيوفاً فى ساحته
الواسعة، وعشنا فى رحباته الفسيحة، ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته بعد
أن أقامه على عمدٍ قوية. والقضاء المصرى فى مدى خمسة وسبعين عاماً قطع
شوطاً بعيداً فى طريق التقدم، حتى أصبح من حقه أن يظفر بإستقلاله". كان
هذا الكلام على لسان الدكتور السنهورى، مما يعنى إعتزازه بالفقه
والقضاء فى مِصر، ولذلك، فإنه يرى أنه قد حان الوقت لبدء تدفق أفكارنا
ومنهجنا من داخلنا، وليس نقلاً عن الفقه والقضاء الفرنسى.
كما نجده يقول - أيضاً فى موضع آخر -:" إذا كانت مصر قد إستقلت
بتشريعها، فقد آن لها أن تستقل أيضاً بقضائها وبفقهها. وأن هذا العهد
الجديد،الذى إفتتحه القانون المدنى الجديد، لتعلن فيه مصر أنها قد
إعتزمت أن يكون لها قضاء ذاتى وفقه قومى". ومازال الدكتور السنهورى
يؤكد على ذاتية العقلية القانونية المصرية.
أما إذا كان إلتجاؤه إلى بعض الأحكام الفرنسية، فذلك بسبب الأحوال
السياسية التى مرت بها مصر، وكانت يد القضاء المصرى مُكبلة عن أى إبداع
بسبب العنصر الأجنبى المُحتَل، وتدخله فى جميع الشئون المصرية ومنها
القضاء والتشريع، وذلك يتضح من قوله:" لقد ظفر التشريع المصرى
بالإستقلال فى سنة 1937، وكانت معاهدة مونتريه هى صك إستقلاله، وظفر
القضاء المصرى بالتوحيد بعد إنقضاء فترة الإنتقال وزوال المحاكم
المُختلطة. فعلى القضاء المصرى تقع تبعات جسيمة ينبغى له أن ينهض بها،
وعلى الفقه المصرى أن يكون الرائد للقضاء المصرى، يُمهد له السبيل
ويُعبد له الطريق".
وهذه الكلمات كافية لتوضيح السبب الذى جعل الدكتور السنهورى- رحِمهُ
الله - يلجأ إلى أحكام المحاكم الفرنسية وآراء الفقهاء، بعد أن كان
الإحتلال - بعقلية أى مُحتل - يحاول قتل أية محاولة للفكر أو الإبداع
من رجال القانون، وخير دليل على ذلك، أنه وإن كانت موسوعة الوسيط فى
شرح القانون المدنى للدكتور السنهورى قد وضعت أو طبعة لها متضمنة
الأحكام والآراء الفرنسية، إلا أنه مع مرور الوقت وإبداعات محكمة النقض
المصرية فى أحكامها، نجد أن الإصدارات الحديثة من هذه الموسوعة، والتى
هى تنقيح المستشار/ أحمد مدحت المراغى، لا تذكر الأحكام الفرنسية
كثيراً، اللهم على سبيل المثال مع أحكام النقض المصرية، وغالباً ما
تُذكر الأحكام الفرنسية فى هوامش الكتاب وليس فى المتن، كما لم يأتِ
بها سيادة المستشار على سبيل الشرح، فأحكام النقض المصرية أصبحت أكثر
من كافية فى هذا المجال.
أما بخصوص تشريع القانون المدنى، فإليك ما أدلى به الدكتور السنهورى
أمام اللجنة التشريعية بمجلس النواب وهى تنظر مشروع القانون المدنى
الجديد:" أن النصوص التشريعية الواردة فى هذا المشروع لها من
الكيان الذاتى ما يجعلها مستقلة كل الإستقلال عن المصادر التى أخذت
منها، ولم يكن الغرض من الرجوع إلى التقنينات الحديثة أن يتصل المشروع
بهذه التقنينات المختلفة إتصال تبعية فى التفسير والتطبيق والتطور، فإن
هذا، حتى ولو كان ممكناً، لايكون مرغوباً فيه، فمن المقطوع به أن كل نص
تشريعى ينبغى أن يعيش فى البيئة التى يطبق فيها، ويحيا حياة قومية توثق
الصلة بما يحيط به من ملابسات، وما يخضع له من مقتضيات، فينفصل
إنفصالاً تاماً عن المصدر التاريخى الذى أخذ منه أيا كان هذا
المصدر،وقد حان الوقت الذى يكون لمصر فيه قضاء ذاتى وفقه مستقل، ولكل
من القضاء والفقه، بل على كلٍ منهما، عن تطبيق النص أو تفسيره، أن
يعتبر النص قائماً بذاته، منفصلاً عن مصدره، فيطبقه أو يفسره، تبعاً
لما تقتضيه المصلحة، ولما يتسع له التفسير من حلول تفى بحاجات البلد،
وتساير مقتضيات العدالة، وبذلك؛ تتطور هذه النصوص فى صميم الحياة
القومية، وتثبت ذاتيتها، ويتأكد إستقلالها، ويتحقق ما قصد إليه واضعوا
المشروع من أن يكون لمصر قانون قومى، يستند إلى قضاء وفقه لهما من
الطابع الذاتى ما يجعل أثرهما ملحوظاً فى التطور العالمى للقانون".
وهذا ما أكده الدكتور السنهورى، والذى كان يحاول أن يؤكده ويثبته فى كل
مناسبة، بأن القانون المصرى ليس مشتقاً من أى قانون آخر، بل أنه حاول
أن يناشد الفقه بأن يتوقفوا عن البحث فى الأحكام والآراء الفرنسية، فقد
كتب - قبل صدور القانون بثمانية عشر عاماً - فى كتاب "نظرية العقد":"
أنه علينا أولاً أن نُمصر الفقه، فنجعله فقهاً مِصرياً خالصاً، نرى فيه
طابع قوميتنا، ونحسُ أثر عقليتنا، ففقهنا حتى اليوم لايزال، هو أيضاً،
يحتله الأجنبى، والإحتلال هنا فرنسى. وهو إحتلال ليس بأخف وطأة، ولا
بأقل عنتاً، من أى إحتلال آخر، ولا يزال الفقه المصرى يتلمس فى الفقه
الفرنسى الهادى المرشد. لايكاد يتزحزح عن أفقه، أو ينحرف عن مساره، فهو
ظله اللاصق، وتابعه الأمين.فإذا قدر لنا أن نستقل بفقهنا، وأن نفرغه فى
جو مصرى، يشب فيه على قدم مصرية، وينمو بمقومات ذاتية، بقى علينا أن
نخطو الخطوة الأخيرة، فنخرج من الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية،
ونؤدى قسطاً مما تفرضه علينا الإنسانية ضريبة فى سبيل تقدم الفقه
العالمى، أو ما إصطلح الفقهاء على تسميته بالقانون المقارن".
وهذا الدفاع الرائع الجديد من الدكتور السنهورى - عن أصالة التشريع
المصرى رغم إستمداد بعض مواده من مصادر أجنبية، والذى سبق إليه العلامة
السنهورى، سرى من مجال القانون إلى مجال الأدب، وهو الذى إقتبسه العقاد
إما عمداً أو توارُداً للخواطر دفاعاً عن أدبه فى كتابه (مراجعات فى
الأدب والفنون)، والذى صدرت الطبعة الأولى منه فى الستينات من القرن
الماضى، وهو أيضاً ما أكده الأستاذ الدكتور شفيق السيد فى كتابه (نظرية
الأدب)، عن الكاتب الكبير عباس العقاد حيثُ يقول:" أن العقاد رغم
إتصاله بالثقافة الأوربية وقراءاتهُ أعمال كِبار كتابها وشعرائها إلا
أنه كان يتشرب ما يقرأ ويمثله تمثيلاً جيداً، حتى يمتزج بنفسه ويغدو
جزءً من كيانه، فتأتى آراءه بعد ذلك - كما يقول الدكتور محمد مندور -
وكأنها منبعثة عن ذاته تلقائياً، تقرؤها فتطالع فيها شخصيته وفكره
الخاص الذى لايعزى لأحدٍ سواه".
ليس هذا فحسب، فالدكتور السنهورى يعتقد أن إستقلال التشريع لن يتحقق
إلا بأن يكون قوامه الفقه الإسلامى، وأطلق عبارته الخالدة:" لقد حان
الوقت ليتعاون الفقهاء المصريون مع زملائهم فقهاء سوريا والعراق
ويتكاتفوا جميعاً لإرساء اساس قوى "للقانون المدنى العربى"، يكون قوامه
الفقه الإسلامى؛ قانون المستقبل لبلاد العروبة جميعاً".
الرد على هذه المقالة وغيرها مكفول لجميع القانونيين؛ وأيضاً كتابة
مقالات أخرى على مشروع العدالة، فقط إذهب إلى صفحة
محاماة حرة إذا كنت محامياً أو
قضاء مستقل إذا كنت أحد أعضاء السلطة القضائية، أو يمكنك إستخدام
قسم المراسلات أسفل الصفحة لكتابة تعليق.